اسماعيل بن محمد القونوي

425

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

عن السؤال عن غير السبب مثل قوله تعالى : قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [ هود : 69 ] كأنه لما فهم من ألم إعجاز المتحدى به كأنه قيل فماذا يلزم من ذلك فأجيب عن ذلك الكتاب فلما فهم منه أنه الكتاب البالغ حد الإعجاز كأنه قيل فما يلزم من ذلك فقيل لا ريب فيه وقس عليه ما سواه كذا قيل ولا يخفى عليك أن هذا وإن كان حسنا في نفسه لكنه لا يلائم كلام المصنف حيث قال أولا استتباع الدليل للمدلول وثانيا استنتج منه فإنه صريح في أن اللاحق دليل للسابق والعدول عنه إلى مثل ما ذكره القيل تحريف للكلام وتغيير للمرام وترك الفاء التفريعية على ما هو المعهود في ذكر النتائج بعد الدلائل لكون المقصود الإخبار بكل جملة استقلالا لكن اللاحق لكونه نتيجة للسابق ولازمة له في نفس الأمر ترك العاطف والنكات مبنية على الأغراض والإرادة كما صرح به أرباب البلاغة حتى قالوا إذا كان بين الشيئين علاقة المشابهة لكن لا تقصد تلك العلاقة فاستعمال لفظ المشبه به في المشبه يكون غلطا لا استعارة ولا يلزم منه انتفاء المشابهة فكذا هنا لا يقصد الاستدلال فيحسن ترك الفاء بل يقبح إتيانها لما ذكرنا ولتحقق الدليلية والمدلولية في نفس لأمر يلزم ترك العاطف وقول المصنف تستتبع كل واحدة منها ما يليها استتباع الدليل لا يبعد أن يكون إشارة إلى ما ذكرنا وكمال الاتصال بين اللازم والملزوم لا مجال لإنكاره والظاهر أنه من قبيل التأكيد مثل الأول لكن في هذا الوجه يقرر السابق اللاحق لكونه دليلا له لا من قبيل الاستئناف لما عرفته ولا من قبيل بدل الاشتمال كما جنح إليه بعض المحشيين وقال فالأول لاستلزامه لما يليه وكونه في قوته بجعله منزلا منه منزلة بدل الاشتمال لما بينهما من الملابسة والملازمة فوزانه وزان حسنها في أعجبني الدار حسنها فبترك العطف لشدة الاتصال كما قرر أهل المعاني في قوله أقول له ارحل لا تقمن عندنا لا إن الثاني مترتب على الأول ترتب المدلول على الدليل كما توهموه انتهى . كأنه غفل عن قول المص استتباع الدليل للمدلول فالواهم ابن أخت أخيه وتعبير المص عن الاستلزام بالاستتباع لأنه من الصنائع البديعية وفسروه بمدح شيء على وجه يستتبع المدح بشيء آخر كقوله : نهبت من الأعمار ما لو حويته * لهنيت الدنيا بأنك خالد وهذا المعنى واقع هنا فإن كل سابق مدح مستتبع بمدح لاحقه والظاهر أن لفظ الاستتباع وقع قصدا من المص إشارة إلى تلك الصنيعة لا اتفاقا . قوله : ( وقد عجزوا عن معارضته استنتج منه أنه الكتاب البالغ حد الكمال ) أشار به إلى أن كون الأول دليلا على الثاني دليلا أنبأ بملاحظة هذه المقدمة ولم يتعرض أولا لظهوره مما سبق . قوله : ( واستلزم ذلك أن لا يتشبث الريب بأطرافه إذ لا أنقص مما يعتريه الشك أو الشبهة وما كان كذلك كان لا محالة هدى للمتقين ) إشارة إلى أن كونه كتابا بالغا حد الإعجاز دليلا لميا على نفي الريب واختار الاستلزام هنا للتنبيه على لميته كما أن الاستنتاج فيما قبله للإشعار على النية ( التشبث ) التعلق ( لا محالة ) بفتح الميم بمعنى لا بد هدى للمتقين أي الصائرين إلى التقوى .